بعد 62 سنة جواز… جوزي ما-ت. لكن اللي حصل في جنازته قلب حياتي كلها. قابلت هارولد وأنا عندي 18 سنة… وكان أكبر مني شوية. حبينا بعض بسرعة، وبعد سنة واحدة بس اتجوزنا.

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

أخذني إلى مكتب واسع لم يُفتح منذ سنوات. كان كل شيء كما تركه صاحبه؛ النظارة فوق المكتب، القلم في مكانه، والساعة متوقفة عند الوقت الذي توقفت فيه حياته. فتح الموظف الخزانة باستخدام المفتاح الصغير. داخلها لم تكن هناك أموال أو مجوهرات، بل ملفات تحمل أسماء مئات الأشخاص. أيتام. أرامل. كبار سن. طلاب حصلوا على منح دراسية. مرضى تكفلت المؤسسة بعلاجهم.

كل ملف كان يمثل حياة تغيرت بفضل شخص لم يكن أحد يعرف اسمه الحقيقي. قال الموظف وهو يقلب أحد الملفات طوال ثلاثين سنة، لم يسمح لنا السيد هارولد أن نلتقط له صورة داخل المؤسسة. كان يقول دائمًا الخير الحقيقي لا يحتاج إلى تصفيق. عندها فقط شعرت أنني لم أكن أعرف زوجي كما كنت أظن. وبينما كنا نتــ,,ـــــحدث، دخلت فتاة شابة تحمل بعض الأوراق.

ما إن نظرت إليها حتى تجمدت في مكاني. كانت هي نفسها ملامح الطفلة الموجودة في الصورة القديمة. الابتسامة. لون العينين. طريقة الوقوف. كل شيء. اقتربت مني وهي تبتسم بخجل وقالت أنا آفا الثالثة... أخبروني أنكِ قد تأتين يومًا. أخرجت الرسالة المخصصة لها وسلمتها إليها. جلست تقرأها بصمت، ثم بدأت دموعها تنهمر. رفعت رأسها وقالت بصوت مرتجف كنت أظن أن جدي تخلى عن عائلته ولم يفكر بنا أبدًا.

.. لم أكن أعلم أنه كان يحاول إصلاح خطئه طوال حياته. ساد بيننا صمت طويل. لم يكن أي منا يملك كلمات مناسبة لذلك الموقف. خرجنا معًا إلى حديقة الدار، حيث كان الأطفال يلعبون ويضحكون، بينما كان بعض كبار السن يجلسون يتبادلون الأحاديث. نظرت حولي، وأدركت أن هذا المكان لم يكن مجرد مؤسسة خيرية. كان اعتذارًا طويلًا امتد أكثر من ستين عامًا. اعتذارًا لم يُكتب بالكلمات، بل بالأفعال.

في تلك اللحظة أمسكت آفا بيدي وقالت هل سنكمل ما بدأه؟ ابتسمت رغم دموعي، ونظرت إلى المبنى الذي امتلأ بالحياة. أجبتها بثقة لن نحافظ عليه فقط... بل سنجعله يكبر، حتى يصل الخير إلى كل من يحتاج إليه. كان هارولد قد رحل بالفعل، لكن أثره بقي حيًا في كل طفل وجد مأوى، وفي كل مسن شعر أنه ليس وحيدًا، وفي كل إنسان منحه فرصة جديدة للحياة.

عندها فقط فهمت معنى الإرث الحقيقي. ليس المال الذي يُورث، ولا العقارات، ولا الحسابات البنكية... بل الخير الذي يبقى بعد أن يرحل صاحبه، ويستمر في تغيير حياة الآخرين عامًا بعد عام. وهكذا، لم تكن نهاية قصة هارولد هي يوم وفاته... بل كانت البداية الحقيقية لكل ما زرعه بصمت طوال عمره.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
DR

Dodo Rmada ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
9مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان