بعد 62 سنة جواز… جوزي ما-ت. لكن اللي حصل في جنازته قلب حياتي كلها. قابلت هارولد وأنا عندي 18 سنة… وكان أكبر مني شوية. حبينا بعض بسرعة، وبعد سنة واحدة بس اتجوزنا.

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

لم تكن الطفلة نفسها التي لم تكبر منذ خمسة وستين عامًا، بل كانت حفيدتها الثالثة، نسخة تكاد تكون مطابقة لجدتها حتى في الابتسامة ونظرة العينين. شعرت براحة ممزوجة بالحزن. طوال السنوات الماضية كنت أظن أن هارولد يخفي سرًا مخيفًا، لكن الحقيقة كانت أكثر إنسانية وألمًا مما توقعت. لقد عاش عمره كله هاربًا من خطأ ارتكبه في لحظة ضعف، ولم يستطع أن يسامح نفسه أبدًا. أغلقت الرسالة ببطء، لكن فضولي لم ينتهِ.

بدأت أفتش بقية الصندوق بدقة، فوجدت عشرات الملفات المرتبة بعناية. كل ملف يحمل تاريخًا مختلفًا، وفي داخله إيصالات تبرعات، وعقود شراء أراضٍ، ورسائل شكر من مؤسسات خيرية لا تحمل اسم هارولد الحقيقي، بل اسمًا مستعارًا لم أسمع به من قبل. كلما قلبت ورقة، ازداد يقيني أن الرجل الذي عشت معه سنوات طويلة كان يخفي حياة كاملة لم أعرف عنها شيئًا.

ثم وقعت يدي على دفتر جلدي قديم، وقد كُتب على غلافه بخط واضح لا يُفتح إلا بعد رحيلي. ترددت قليلًا، ثم فتحته. كانت الصفحات الأولى عبارة عن مذكرات يومية بدأها منذ أكثر من ستين عامًا. لم يكن يكتب ليبرر ما فعله، بل كان يكتب ليحاكم نفسه. كتب في أول صفحة من يهرب من مسؤوليته لا يهرب من نفسه.

كل صباح أستيقظ وأنا أرى وجه ابنتي الصغيرة أمامي، وكل مساء أنام وأنا أتمنى أن يمنحني الله فرصة واحدة لأصلح ما أفسدته. واصلت القراءة والدموع تملأ عيني. في كل سنة كان يخصص جزءًا كبيرًا من دخله لأسرة مجهولة بالنسبة للعالم، لكنها كانت بالنسبة له حياته كلها. لم يقترب منهم حتى لا يفتح جراح الماضي، لكنه كان يتابع تعليمهم وعلاجهم وسكنهم من خلال محامين ووكلاء أمناء، دون أن يعرفوا أن الشخص الذي يساعدهم هو والدهم الذي اختفى منذ عقود.

وفي إحدى الصفحات كتب لم أطلب منهم أن يسامحوني، لأنني لا أستحق ذلك. كل ما أتمناه أن يعيشوا حياة أفضل مما كنت سأمنحهم إياها لو بقيت ذلك الرجل الجبان. أغلقت الدفتر للحظات وأنا أحاول أن ألتقط أنفاسي. لكن المفاجآت لم تنتهِ. وجدت مظروفًا آخر مكتوبًا عليه إلى آفا الثالثة. لم أفتحه، فقد كان واضحًا أنه رسالة شخصية لها.

وضعت المظروف جانبًا وأنا أعلم أن مهمتي الأولى ستكون العثور عليها وتسليمها بيدي. ثم لفت انتباهي مفتاح صغير آخر، يختلف عن مفتاح الجراج. كان مربوطًا ببطاقة كتب عليها المكتب رقم 12. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى العنوان الموجود ضمن الأوراق. كان مبنى كبيرًا تحيط به الأشجار، وعلى البوابة لوحة بسيطة تحمل اسم مؤسسة خيرية لم أسمع بها من قبل.

تقدمت نحو الموظف، وأريته المفتاح. ما إن رآه حتى تغيرت ملامحه، ووقف احترامًا وهو يقول كنا ننتظر هذا اليوم منذ سنوات... هل أنتِ السيدة مارجريت؟ أومأت برأسي في صمت. ابتسم الرجل بحزن وقال السيد هارولد أوصانا أن نسلمك كل شيء عندما تأتين. أخذني إلى مكتب واسع لم يُفتح منذ سنوات. كان كل شيء كما تركه صاحبه؛ النظارة فوق المكتب، القلم في مكانه، والساعة متوقفة عند الوقت الذي توقفت فيه حياته.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
DR

Dodo Rmada ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
9مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان